من مرافئ الذاكرة قد نبني مملكة من الصمت أحيــاناً
موقع الشـاعـر محمد فيــاض


  إلى حيث يحترق الســــؤال ...!!



صباحاَ وعلى مشارف فنجان قهوتي ونفحة حنين العمل مبكرا تلفني في شوارع المدينة المؤدية إلى مكتبي كان هناك ثمة خبر قد كتف ذاكرتي بل أسهب بعيدا بالموح صمتا مكابدة من حيث أيام زمن تمنيته أن يعود طويلا، ينتظرنـي..!

 مصطفى، شاب قصير بقامته مُنحنيَ الظهر لمرض عضال يعانيه منذ زمن ليس بالقصير هو فشل كلوي أحاطه بالعتمة فضمّده بالنور والأمل، هذا هو كما عرفته أيام كانت تجمعنا صداقة منذ زمن بعيد حيث كنا نلتقي على ضفافها في محله أمسية كل يوم ونتبادل فيها الأشرطة ونحكي عن كل شيء..

صباحا.. قابلني بحضن بارد صديقي ذاك في مقهاه ليدلف في جوفي خبر وفاة ذاك الشاب وياليتني لم أصحو مبكرا مثل أي يوم..

  تمخّضَت في عقلي.. في بوتقة الاحتراق وأنا أكمل طريقي شاقا بأفكاري سهولا صعبة تتلاعب بي أمواج الفكرة بين "أنا لو أنت"  و"أنا أو "أنت".. وشيء من هذا القبيل..

عاد موكب " عزرائيل " ذاك الملاك المأمور الجميل القبيح الضخم البارد الدافئ، عاد ليبارك للرب بقربان جديد من هذي المدينة معيدا أمثولة أن الموت كائن لا يخيف قدر جماله أحيانا... لا أعرف..!؟

لا أعرف كيف كان ينتظره "مصطفى" ماذا قال له وعماذا تحاورا قبل أن يرحل معه في موكبه السحري المبجل بالعظمة وبهول المكان بعد فراق إنسان مقدر له أن يرحل..

شيء غريب هو فوق ما تتصور الأذهان وأنت ترسم في ذهنك ملامحا غريبة بوهيمية أحيانا سريالية تارة وحقيقية تارة أخرى لتقتنع أن الموت لا يزعج اللحظة عكس لحظة التفكير في "شخص" الموت ككائن جبان لا يواجه..!

  مصطفى هذا الشاب الجميل الطلعة المبتسم دائما المتكئ على عكازه المتطلع للغد بفرح الفنان بأمله لكل شيء حتى       الموت.. هو هذا مصطفى الذي كلما أراه افرح، الذي كلما يباغتني بمناداته لي وبلومه أحيانا وبترحيبه مرة، اشتاق وأتساءل " أمَا آن له أن يرتاح من ألمه أو ألامه بعد..." ولم اعرف ولم أكن أدرك أن راحته تلك ستكون سؤالا مشطورا يقتلني  في حينها...!

"لا اله إلا الله، أمس مساء كنا سويا"... هذا ما قاله احد الشباب من هول تلك الصدمة ولربما هذه الصدمة ستحيط بنا يوما ما بل بكل تأكيد.. كما يقول الكتاب المقدس...!

إنها الفكرة لا ريب وسبحان الله...!

هل تصلي.. هل تؤدي واجباتك الدينية كما ينبغي.. هل تقوم الليل.. أتحب لغيرك ما تحب لنفسك.. هل تصدق القول ألا تكذب، تنافق، تسرق..؟!

  إنها اللاعودة بكل حذافيرها بما تملك من تقاسيم وتجليات وأنفاس وعيون وشَعر وطول وعرض وصوت أجش مسيطر قوي فعال مخيف مجلجل يهوي بك في فج من القلق والحيرة والندم إن كان للندم من مناص...!

كانت يدي في يده.. عيناه لا تفارق عيني.. صوته لا يفارق أذناي وو... الخ... هيهات من يمسك بآخر الحبل وقتها إلا النظرات المبعوثة من اللامنتهى...

وينتهي كل شيء إلا القادم من تلك المجرة المقدسة مضفيا روحا لم نعرفها لم نعشها لم نخلقها ولم نتذوقها...

 كان صباحا متأوها عسير الهضم مشكّكا في نكهة النضج مُبعدا وساوس الماضي متدثرا بـ "الآن " في صيغة اللحظة وعطش العقل عن اليقين..

هكذا هو أو أكثر... بكل تأكيد.