إضـــــــــــــــاءات
مرحبا بكم في موقع الشاعر محمد فياض

 

 

 

 

إزهـــــــــــــــرار




القاص و الشــاعر / صالح عبـــاس



 

أحسّ و قد استيقظ باكراً على غير عادته بنشوة تُزهر كامل كيانه النفسي و الجسدي كمن غادر حلما لذيذا ، كأن يكون ربح مليون وردة في زمن العفونة .. نَـده لزوجته مترنماً :

ـ حليمة .. حلومة .. حلملم .. حبيبتي .. حياتي .

اندهشت و هي تقف خلف حوض الأطباق .. أيُعقل استيقاظه الباكر هذا .. رفعت بصرها الى الساعة التي لم تصل التاسعة بعد .. أسرعت إليه لتجده فاتحاً الدولاب يخرج بدلته الزهرية الزاهية و يعاجلها باسما :

ـ حّلـومه ، القهوة من فضلك .

دارت استغرابها وولّت تدسّ ضحكتها .. وصلتها دندنـاته الشعبية متبعثرة عبر تراشق المياه و هو يواصل حمّامه مغنيا جذِلاً .

التفتت إليه لتراه يقف يرتشف بقية قهوته هامسا بلطف :

ـ شكراً ، قهوة لذيذة حلومتي .

تسمّرت ناظرة إليه و كأنها لم تشاهد رجلا أنيقا في حياتها ..أعاد ابتسامته في وجهها ملّوحا لها بلطف هامسا :

ـ الى اللقاء حلومتي .

قالها مع انحناءة صغيرة و انصرف جذلا .. ظلت برهة مبهوتة ثم أسرعت لتراه يبدل خطواته على الرصيف المقابل متأنيا يعيد يميد مزهرا كحديقة وردية تمشي ببطء .

كان في قمة أناقته وقد أزهرت البهجة التي تضوع في كيانه فطفق يدندن مترنما بلحن شعبي شجي ، يزداد به الإزهرار فيقف غير مكترث بحملقة الجموع المارقة من حوله رافعا يديه هازّا جسده متمايلا مموسقا بذراعيه اللحن و كأنه يتخذ من الحشود المستغربة جوقة صباحية يحاول قيادتها عبر أنغامه نازعا الرتابة و الاستغراب من عيونها البليدة النظرات قبل أن تعبره الوجوه زامّة الشفاه مستغربة لرجل أنيق يسير متمهلا و يبتسم وحتى يدندن أعذب الأغنيات بهدوء .

ينتبه إلى سيدة عجوز تفترش الرصيف ، خلف باقات زهور شذية شهية الألوان .. تعبرها الأحذية العجلة دونما اكتراث .. ينحني عليها مصبحا يدسّ في يدها باسما ورقة مالية فتناوله داعية له بشفتين مبتهلتين أجمل زهور لديها هاتفة خلفه :

ـ عدّي ياوليـدي ، يفتح الله عليك ..

فيما يسير ببطء ضاما الزهور الى صدره بحنو كطفله متنسما عبيرها مدندنا في ابتهاج و العيون تمعن مواصلةً استغرابها لفرط أناقته و هدوئه راثية لحاله ، وبعضهم يتمتم ملتفتا حتى يكاد يتعثر

ـ لاحول ولا قوة إلا بالله .

فيما هو يواصل خطواته مزهرا زاهيا و أحيانا حتى يقف يهدي زهوره لبعض المارة فيقبلها البعض بابتسامة رثاء .. ناظرا الى أناقته الظاهرة باندهاش و سخرية ..

حين تأخر لعبت برأسها الظنون .. ارتدت جلبابها الرمادي الباهت كيفما اتّـفق و أسرعت شبه مهرولة شاردة مهملة الشعر شاعثة الملامح تنـشده في كل العيون و عبر زحمة الأرصفة المليئة بالأجساد المعروقة

اللاهثة الشاردة مثلها و التي لم تعرها أي اهتمام كأي امرأة عادية مثلهم تمتلئ بها الشوارع الفاقدة الأناقة و الازهرار .